16/12/2013
عصام داري

من دفتر الوطن - صرخة استغاثة

فجأة وجدت نفسي غارقاً في بحار الحزن ومحيطات الكآبة، تتقاذفني أمواج اليأس العاتية، ولا أحد يلقي لي مجرد قشة أمل تنقذ غريقاً أو خشبة خلاص توصلني إلى شواطئ الأمن والأمان والطمأنينة. اكتشفت أن سحب الوحشة غطت سمائي، وأن الأشجار صارت سيوفاً تقطر من دمي، ونبالاً تنهال على جسدي المنهك وتهدد بالانطلاق إلى مركز القلب.

 
هل قلت إنني اكتشفت كل ذلك فجأة؟.
أعترف بأنني أخطأت العبارة... فالحزن والعمر وجهان لعملة واحدة.
ما أصعب الكآبة عندما تفقد رفيق درب، وما أقسى الحزن الذي يشرق صباحاً ولا يغيب أبداً.
أشعر أن هموم الدنيا تحاصرني، وتحاول خنقي وقطع الهواء عن روحي، وتدمير آمالي وطموحاتي وأحلامي، وتحطيم أضلعي لتستل قلبي المتعب وتلقي به إلى مهاوي الردى.
لا أكتب هذا الكلام لأملأ فراغ الصفحات البيضاء، ولا لأرفع الشكوى لمن لا ذنب لهم في قراءة أحزاني ومشاركتي آلامي، والبكاء معي على أطلال روح وجسد لم يبق فيهما مكان لجرح جديد.
أكتب كي أستعيد الوعي، وأساعد نفسي على البوح بعد كتم للمشاعر استمر ألف ألف عام، وبعد أن عشت وحدي في فوهات البراكين وعيون الأعاصير... ألف ألف عام أخرى.
أنسج من الكلمات طائرة ورقية أحلق فيها فوق جبال الجراح، وهضاب الأحزان لأهبط في وديان الحلم والخيال بعيداً عن واقع صار بعضاًَ من جهنم.. أو هو كل جهنم.
أحلق عالياً مع خيالي.. وألوّح للعالم تلويحة الوداع، وألقي نظرة أخيرة على عالم بائس موحش ما عاد فيه من المثل الانسانية إلا فتات الفتات، وصارت الروح لعبة رخيصة نحطمها حين نشاء، ونزهقها ساعة نشاء.
همومي الشخصية لا حصر لها.. لكنها ليست إلا نقطة من بحر الهموم العامة.. هموم الناس.. والوطن المكلوم والجريح الذي نزف حتى كاد يفقد كل نقطة دم من حضارة الانسان، والذي تألم أكثر من قدرة الأوطان على تحمل الألم والصبر.
وطن يصلب كل يوم ألف مرة.. ولم ينته درب العذاب.. وربما لم يبدأ بعد!.
همومي كبيرة.. لكنني أحتفظ بها لنفسي ولا أريد أن يشاركني فيها أحد، فجميعنا تحمل هموماً كبيرة، لكن همومنا تنصهر كالحديد بالنار عندما تقارن بهم بلدنا.. وحلمنا ومستقبلنا.
حجر الرحى يطحن.. ولا أحد يدري ماذا يطحن.. ونكتشف أن المواطن هو المهروس والمطحون ولا أحد يجفف دماءه.
أنا واحد من المطحونين.. حتى العظام.. ولا أطلب إنقاذاً لذاتي.. ولا أنوي إطلاق صرخة استغاثة.. لكنني أطلق صرخة استغاثة طويلة لوطن آن له أن يخرج من جحيمنا إلى الأبد.. فهل من مجيب؟!.

تعليقات القراء

 (عدد المشاركات 0)

أضف تعليقك

الاسم (*)

البريد الإلكتروني

كاريكاتير

تابعنا على الفيسبوك