17/08/2013
جوان جان

قراءة في كتاب «المسرح الشعريّ العربيّ»..هل استطاع المسرح الشعري التعبير عن الواقع والهزائم

قد لا يذكر متابعو الحركة المسرحية في سورية من الأجيال الأخيرة أنهم تابعوا على خشبة المسرح عرضاً مسرحياً معتمداً على نص مسرحيّ مما يسمى المسرح الشعريّ الذي كان رائجاً وربما متصدراً لساحة الأدب المسرحي العربيّ في النصف الأول من القرن العشرين، ذلك أن جلّ المخرجين المسرحيين السوريين والعرب ابتعدوا تماماً عن هذا النوع من المسرح لأنهم رأوا فيه فقراً درامياً بيّناً لمصلحة وفاء الكاتب واهتمامه بالجانب الشعريّ الذي يبدو أنه سيطر على واقع كتابة هذا النوع من المسرح.

 
ورغبةً من الباحث د. مصطفى عبد الغني في إعادة هذا النوع من المسرح العربيّ  إلى دائرة الضوء علّ مخرجينا العرب يعيدون النظر به، عمد مؤخراً  إلى إصدار كتاب يعيد فيه تموضع المسرح الشعري العربيّ حمل عنوان «المسرح الشعريّ العربيّ- الأزمة والمستقبل» صدر ضمن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية.
وقد أكد الباحث في مستهل كتابه أن التراجيديا الشعرية العربية شكّلت تعبيراً حاداً عن الهوية في بدايات تكوينها وأن ارتباط النص المسرحي بالشعرية يعكس ارتباطاً وثيقاً بالهوية العربية وأنه يمكننا تأكيد هذه الهوية وتأصيلها في الدراما العربية من أقصى المغرب  إلى أقصى المشرق.
وأشار الباحث إلى أن الحديث عن المسرح الشعريّ ظلّ مُعَلَّقاً لسنوات طويلة فكان من الواجب تجديد البحث في هذا الموضوع من خلال عدد من الأسئلة أجمَلها الباحث فيما يلي:
«هل استطاع المسرح الشعريّ التعبير عن الواقع بما يليق بجماليات الفن؟ وهل استطاع كتّاب المسرح الشعريّ بلورة هزائمنا أو التعبير عنها؟ وهل استطاعت الدراما الشعرية العربية في الحقبة الأخيرة أن تجسد الهوية العربية في زمن عصور الطوائف؟».
في الباب الأول من الكتاب الذي جاء تحت عنوان «المسرح الشعريّ بين المدِّ والجزر» تحدث الباحث عن ثلاث مراحل تاريخية شهدت بدايات المسرح الشعريّ العربيّ، المرحلة الأولى ممتدة بين العام 1847 والعام 1918 وفيها برزت تجارب مارون النقاش وأحمد أبو خليل القباني ويعقوب صنوع وخوري بطرس المكرزل وقيصر المعلوف وعبد الله البستاني وغيرهم من رواد المسرح والأدب العربي.. أما المرحلة الثانية فقد امتدت حتى أربعينيات القرن العشرين وشهدت تعالي موجات التغيير والتعبير عن الهمّ العربيّ، وأولى سمات هذه المرحلة كما يشير عبد الغني التوجه السياسي النضالي ضد المستعمر وقد شعر الاستعمار بخطر هذا الازدهار المسرحي فأصدر قرارات قضت بتشكيل لجان رقابة بهدف الإشراف على فن التمثيل الناشئ في الدول العربية لأنه رأى في كل عرض مسرحيّ تجمّعاً خطيراً على وجوده، وكثيراً ما كان الرقيب المستعمِر يلفّق الأعذار لمنع عرض مسرحيّ، وأكد الباحث أن المسرح السوري تحديداً ظلّ يواجه المستعمر الفرنسي بأشكال مختلفة وكانت للكاتبين المسرحيين السوريين مراد السباعي وعبد الوهاب أبو السعود مواقف عديدة في مواجهة السلطة المستعمِرة.. وأما المرحلة الثالثة فقد حددها الباحث بالفترة التي أصبحت المجتمعات العربية فيها تتوجه في أنظمتها السياسية والاقتصادية توجهات اشتراكية حيث أصبحت المسارح عموماً تابعة للحكومات التي أخذت تنشئ المعاهد المسرحية وترسل أبناءها لدراسة المسرح في الدول الأجنبية.
وفي الباب الثاني من الكتاب الذي حمل عنوان «الدراما الشعرية عين الطائر المشهد الأفقي» يؤكد الباحث أن الشعر في المسرح ليس مجرد لغة أو وسيلة لغوية يطوعها الشاعر لمقتضيات مسرحيته من شخصيات ومواقف وإنما ينبع الشعر أساساً من التصور الدرامي الذي يتعهده الفنان حتى يتضح ويتبلور في صورته النهائية.
وخصص الباحث الباب الثالث من الكتاب للحديث عن عدد من النصوص المسرحية الشعرية العربية هي: «مقتل هيباشا الجميلة» لمهدي بندق و«الخديوي» لفاروق جويدة و«المؤتمر الأخير لملوك الطوائف» وهو واحد من أشهر نصوص الكاتب السوري خالد محي الدين البرادعي و«اللعبة الأبدية» لمحمد الفارس و«الفلاح الفصيح» لفتحي سعيد.
وبالانتقال  إلى الباب الرابع يتحدث الباحث عن أزمة المسرح الشعري العربي والطريق  إلى المستقبل حيث يحذِّر من الدور السلبيّ الذي يلعبه الإعلام في حركة المسرح الشعريّ العربي حيث تزاحم وسائلُ الإعلام المسرحَ بمختلف أشكاله ومضامينه، ويؤكد أن غياب النص المسرحيّ الشعريّ العربيّ يظل أهم سمات الواقع الإبداعي الرديء الذي نحياه، ويدعو  إلى إدخال المسرح الشعريّ  إلى المناهج الدراسية في الدول العربية.
ويختم الباحث كتابه بتأكيد أن المسرح العربي يواجه أزمة في العرض وفي الجانب الاقتصادي، وتتضاعف هذه المشاكل في المسرح الشعريّ تحديداً.
كتاب «المسرح الشعريّ العربيّ- الأزمة والمستقبل» لكاتبه د. مصطفى عبد الغني إضافة مهمة للمكتبة المسرحية العربية لجهة خوضه في جانب مهم ومُهمَل من المسرح العربيّ ندُر أن يتحدث عنه الدارسون والنقاد والباحثون العرب، وعسى أن يشكّل هذا الكتاب بارقة أمل لهذا النوع شبه المندثِر من الكتابة المسرحية العربية.

تعليقات القراء

 (عدد المشاركات 0)

أضف تعليقك

الاسم (*)

البريد الإلكتروني

كاريكاتير

تابعنا على الفيسبوك