15/03/2014
د. منى إلياس

الجوارح في كتب التراث العربي

يعود الصيد «بالجوارح» إلى آلاف السنين، وهو هواية عربية قديمة تمَّ فيها تدجين الصقر والعقاب والشاهين والبازي وتدريبها على الصيد. وقد تردد ذكر هذه الجوارح كثيراً في التراث العربي، فأورد الكثير عن أصول الصيد ومواقيته وحلاله وحرامه، وذلك لاتصالها الوثيق بحياة العرب اليومية، فقد أولعوا بتضرية الجوارح، وتعويدها الصيد وإغرائها بالفريسة ومن ثم أُنزل في القرآن الكريم، وجاء في الحديث الشريف متى يحل صيدها ومتى يحرم، كما استأثرت بعناية الفقهاء واهتمامهم.

 
يقال: جرح الشيء واجترحه: كسبه، وفي التنزيل، «وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار» (سورة الأنعام -60) وفلان يجرح لعياله، ويجترح أي يكتسب، وفي القرآن «أم حسب الذين اجترحوا السيئات» (سورة الجاثية- 21)، أي اكتسبوها، والجوارح من الطير: ذوات الصيد لأنها تجرح لأهلها، أي تكسب لهم، الواحدة جارحة.
جاء في المخصص: كلبت الكلب: ضرَّيته على الصيد من قوله تعالى «وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله» (سورة المائدة- 4)، وقد يكون التكليب واقعاً على الطير وقد دخل في قوله تعالى: «وما عَلَّمتم من الجوارح مكلبين» جميع أنواع الجوارح كالفهد والبازي والصقر والشاهين وغيرها.
أما أسماء جوارح الطير فهي كثيرة تبعاً لألوانها وأصواتها وأحوالها، فمنها «الصوائد» وهي التي تصطاد لنفسها، ومنها «الصوائد المعلمة» وهي التي تصطاد لمربيها، كما تسمى «الكواسب» و«الروازق» و«سباع الطير»، وأما ما لا يصيد منها فهو البغاث والرهام.
في معجم «التاج» «قال ابن الأعرابي: عتاق الطير: العقبان وسباع الطير التي تصيد، والذي لم يصد الخشخاش» قال لبيد:
فانتضلنا وابن سلمى قاعدٌ
كعتيق الطير يفضي ويجلُّ
أي ويجلَّى، وابن سلمى هو النعمان بن المنذر، والتجلي في الصقر: أن يغمض عينه ثم يفتحها ليكون أبصر له.
وقد أجاز الفقهاء الاصطياد بكل «جارحة معلمة» من الطير كالبازي والصقر، وأحل أكل صيدها لقوله تعالى: «اليوم أُحِلَّ لكم الطيبات وما علَّمتمُ من الجوارح مكلِّبين» أي صيد ما علمتم.
وقد أصابت «الجوارح» حظوة كبيرة عند الشعراء فافتنوا كل الافتنان في وصفها حتى أثر لنا عنهم فيها فن متميز بسماته وخصائصه بين فنون الشعر العربي عرف بفن (الطرديات).
وكان أكثر ما اهتم به العرب من الجوارح «العقاب» فاعتبروه أعظم الجوارح حتى قالوا: «وليس بعد النسر من الطير طائر أعظم من العقاب» والعرب يشبهون جيادهم بالعقاب، وفي حديث النعمان عن خيله «كأنها جناح عقاب كاسر» قال الشاعر:
كأنها بعد كلال الزاجر  
ومسحه مرُّ عقابٍ كاسرِ
وفي هذا السياق يقول امرؤ القيس:
كأني بفتخاء الجناحين لقوة
دفوف من العقبان طأطأت سملالي
يقال: عقاب فتخاء أي لين الجناح.
ولأسماء العقاب وصفاتها وكناها من الكثرة بمكان، وقد تضمنتها المعاجم وحفظتها لنا كتب التراث واللغة كما ترددت كثيراً على ألسنة الشعراء، وخاصة شعراء الجاهلية، حيث ذكروا العديد من أسمائها وكناها مثل: أبو الأشيم وأبو الحجاج، وأبو حسان، وأبو الدهر، وأبو الهيثم والغرن، ومن كنى أنثى العقاب: أم الحوار، وأم الشعور، وأم الهيثم، والسهوم.. إلخ.. وكثيراً ما شبه الشعراء جيادهم بها وبأسمائها، قال الراجز:
لقد عجبت من سهوم وغرنْ
وجاء في معجم التاج «إن العقاب لا يكون إلا أنثى، وناكحه طير آخر مجهول من غير جنسه»، قال في ذلك الشاعر «ابن عنين» يهجو شخصاً يقال له ابن سيّده:
قل لابن سيده وإن أضحت له
خولٌ تدلُّ بكترة وخيولُ
ما أنت إلا كالعقاب فأمه
معلومة وله أب مجهولُ
وقيل لبشار بن برد الشاعر الأعمى: لو خيرك الله أن تكون حيواناً ماذا كنت تختار؟ قال: العقاب، لأنها لا تعاني الصيد إلا قليلاً، بل تسلب كل ذي صيد صيده.
والعقاب تبيض ثلاث بيضات في الأغلب، وتحتضنها ثلاثين يوماً حتى إذا فقست وخرج منها ثلاثة أفراخ كل منها يسمى «هيثماً» ألقت واحداً منها لأنه يثقل عليها إطعام الثلاثة لقلة صبرها وقسوة قلبها، ولأنها أكول لا تتفرغ لفراخ كثيرة، فيعطف عليه طائر آخر يسمى «المكلفة» ومن عادة هذا الطائر أن يزق كل فرخ ضائع.
يقول الجاحظ: «إن العقاب يتبع العساكر ليأكل من لحوم القتلى» ويقول الدميري: «إن العقاب من أشد الجوارح حرارة، وأقواها حركة، وهي خفيفة الجناح سريعة الطيران تتغذى بالعراق وتتعشى باليمن».
والعقاب تأكل الحيات إلا رؤوسها والطيور إلا قلوبها، ويدل على ذلك قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً
لدى وكرها، العناب والحشف البالي
ومن الصفات المميزة للعقاب أن جناحيها دائما الخفقان، وقد أشار إلى ذلك (عروة بن حزام) صاحب عفراء في وصف ما يعانيه في حبها من تباريح الهوى ولواعج الشوق حيث يقول:
لقد تركت عفراء قلبي كأنه
جناح عقاب دائم الخفقان
والعقاب سيد الطيور الجارحة، شهمٌ، جسور، أبيٌّ تلوذ به أسراب القطا وغيرها من بغاث الطير وخاصة عندما تطاردها الصقور وبقية الجوارح التي ما إن تلمح العقاب حتى تسارع في الهرب، لذلك يحنطون العقاب، ويضعونه عالياً في الأماكن التي ترتادها الطيور الضعيفة لحمايتها من الصقور والجوارح الأخرى، لذلك لا نعجب إذا رأينا العديد من الدول قد اتخذته شعاراً لها.
أما «الصقر» فهو طير جارح، ويتصيّد به، لكن العرب اختلفوا في هويته، ويبدو أن تسمية جامعة أطلقت على أكثر من طير، فقال «ابن سيده» الصقر: كل شيء يصيد من البزاة والشواهين، وقال «النووي في شرح المهذب»: يقال للبزاة والشواهين وغيرهما مما يصيد صقور، جاء في (المخصص): وكل طائر يصيد يسمى صقراً ماخلا العقاب والنسر، كما جاء فيه أيضاً، الصقور: البازي، والشاهين، والزرق، والبؤبؤ، والباشق، كلها صقور.
والأنثى: صقرة، قال الشاعر:
والصقرة الأنثى تبيض الصقرا
ثم تطير وتخلي الوكرا
وتسمي العرب الصقر: الأجدل، والأمغر، والهيثم، والقطامي، وصقر قطام مأخوذ من القطيم، أي شهوة اللحم.
ومن أسمائه أيضاً: (المضْرَحُ) بغير ياء قال الشاعر:
كالرعن وافاه القَطَام المضْرحُ
والأكثر المضْرَحي (بالياء) وهو الصقر الطويل الجناح، قال طرفة:
كأن جناحي مضرَحيُّ تكنفا
حَفافيه شكا في العسيبِ بمسْرَدِ
فقد شبه ذنب الناقة في طوله وضُفوه بجناحي الصقر.
فالصقر، والأجدل، والقطامي، والمضرح، والمضرحي واحد
عندما توفي داوود روي عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: فلما غسل وكفن، طلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: أَظلي علي داوود، فأظلته الطير، حتى أظلمت عليه الأرض، فقال سليمان للطير، اقبضي جناحاً، قال أبو هريرة، وقبض رسول الله (ص) بيده، وغلبت عليه يومئذ المضرحية، أي غُلبت على التظليل عليه الصقور الطوال الأجنحة واحدها مضرحي.
جاء في حياة الحيوان (والعرب تسمي كل طائر يصيد صقراً، ما خلا النسر والعقاب، وتسميه الأكدر، والأجدل، والأخيل، والأسفع، والشّصر والسيذقان) قال الشاعر:
كالسيذقان أو كبرق الخلب

تعليقات القراء

 (عدد المشاركات 0)

أضف تعليقك

الاسم (*)

البريد الإلكتروني

كاريكاتير

تابعنا على الفيسبوك