لقاؤنا مع التراث يكون لقاء حقيقياً ومثمراً عندما نعرف ما يستحق أن يُنشر، ونعرف الطريقة اللائقة والمناسبة لنشره كما يليق به، فالتراث إرثنا، والتراث ماضينا، والتراث هو الحالة التي سنؤول إليها عند أحفادنا، فليس أفضل من أن نغربل هذا التراث المضيء، ونختار منه ما يجدر بنا أن نعرفه عن أسلافنا، ونخدمه الخدمة اللائقة..
أقول هذا الكلام في زحمة الاهتمام بالتراث ممن هم له أهل، وممن لا يملكون أي أهلية، أو معرفة أو احترام للتراث.. وقد ذكرت أن شيخ الوراقين في بلاد الشام الأستاذ الراحل أحمد عبيد قال لي ذات جلسة: ليس كل تراثنا مستحقاً للنشر، ولا يتمتع كل عامل بالتراث بالكفاءة.. والذي دفعني لهذا الكلام ما أدهشني في كتاب البديع الصادر حديثاً.
الاختيار السليم
بناء على ما تقدم من شروط موضوعية لاختيار ما يستحق، فكتاب البديع لابن أفلح العبسي (ت 536 هـ) من الكتب التي تستحق النشر، وابن زماننا يحتاج هذا الكتاب وفن البديع الذي يشكل موضوعه الأساسي.. وبالعودة إلى مقدمة التحقيق نجد أن المحقق البارع إبراهيم صالح في اختياره أنجز أمرين مهمين، الأول منهما في اختيار ما يستحق للنشر، والثاني وهو الأهم إعادة نسبة كتاب إلى صاحبه وبأسلوب علمي رصين، فلو لم يتهيأ لهذا المخطوط الموجود في الإسكوريال محقق من رتبة الأستاذ صالح لكان الكتاب ملحقاً بكتاب آخر لمؤلف آخر، وكان نشرهما معاً مسوغاً إن لم يخضع الأمر للتمحيص والتدقيق ولكن المحقق حمل على عاتقه مهمة أن يتحرى أمر الكتاب ونسبته بشكل دقيق، وبمتابعة نصية يعرفها من عانى التحقيق، وذلك من خلال تتبع أسلوب المؤلف وحياته والتواريخ والشواهد الشعرية وأزمانها وأصحابها والمجال يضيق عند ذكرها، لكن المحقق عندما وصل إلى قناعة تامة بالكتاب ونسبته وفائدته- وهو الذي قدم عشرات الكتب التراثية للمكتبة- أقدم على نشره، ولكن على منهج القدماء عمل على إتمام الفائدة في فرصة لن تتكرر، فقدم ديوان المؤلف الشعري.
الديوان وصاحبه
إن العبارة اللائقة التي كان من المفترض أن تسبق اسم المحقق الصنعة، فالعمل ابن شرعي لصانعه، فقد أنقذ كتاباً قديماً من غياهب الجهل في النسبة والخطأ، وصنع ديواناً جديداً منشوراً في بطون الكتب التراثية بعد أن ضاع الديوان، والحقيقة أنني عندما قرأت هذا الكتاب وخاصة حياة الشاعر وشعره وجدت شعراً قوياً وشاعراً مطبوعاً وموضوعات شعرية غنية، وشخصاً- الشاعر- متقلباً مصلحياً انتهازياً نال الجزاء المناسب لهذا التقلب وقلة الوفاء، وكأني بهذا الشاعر يصول ويجول بيننا، يشمت بنا ونشمت به وكلانا يرى نفسه على صواب، وهذا الشاعر المنافق خسر كل شيء وهُدمت داره.. ترى لو كان شاعراً لزماننا المتسامح واسع القلب هل خسر كل ما خسر واحتاج لشفاعة الشفعاء؟!
الديوان والكتاب
مشكلة كبيرة نعاني منها عندما نبحث عن ديوان لشاعر قديم، فأغلب الشعر ضاع في ثنايا ما تعرضت له الأمة في تاريخها، وأغلب الشعر الموجود اليوم حقق أو جمع أو صنع على عين أحد الباحثين ومن هذه الدواوين ديوان ابن أفلح العبسي الذي جمعه وخرّجه الأستاذ إبراهيم صالح فجاء في 230 بيتاً من الشعر توزعت في سبع وثلاثين قطعة وقصيدة قابلة للزيادة، فقد طلب المحقق في مقدمته من الباحثين أن يعينوا في جمع هذا الشعر.
وبعد الديوان جاء كتاب «البديع» الذي أخذ أغلب الكتاب نصاً وتحقيقاً وفهرسة، وتناول المؤلف فيه شتى أنواع البديع وتحدث في صنعة الشعر وأدوات الشاعر، وأفاض وهو الشاعر الذي عانى الشعر فيما نظم، وأتبع المحقق ديوانه والكتاب بالفهارس التفصيلية التي لا غنية عنها في الكتب التراثية. صدر الكتاب حديثاً عن المجمع الثقافي- هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث في 240 صفحة من القطع العادي وبطباعة فاخرة وأنيقة، ولكن يؤخذ على إخراجه بعد الأناقة والخطوط الجميلة أن الكتاب توسطه اسم كتاب البديع، وقد يتهيأ للقارئ أنه مقتصر على كتاب البديع، وكان الأجدى أن ترافق كلمة البديع كلمة أخرى تشير إلى الديوان، فهو في مرتبة لا تقل، والمحقق قدّم الديوان على كتاب البديع.