حاول موريس سارتر المتخصص في تاريخ شرق البحر الأبيض المتوسط في العصر الإغريقي والروماني خلال محاضرته التي احتضنها المركز الثقافي الفرنسي بدمشق تقديم شروح لمحاولة فهم متى وكيف ولماذا كان الإغريق والرومان ينظمون المآدب وكيف أن مناسباتهم لم تخلو من فرص لتناول الطعام والشراب معاً، فمن مآدب مقدسة إلى حفلات شرب أرستقراطية ومآدب مجاملات وأخرى فلسفية إضافة إلى مائدة مفتوحة للزبائن. وبين هذه المآدب والأخرى كان هناك أكثر من فروقات صغيرة. فالمائدة كما يقول ساتر تبقى عادةً اجتماعية تسمح في الآن نفسه تنافس النظراء والاحتفاظ بمسافة معينة مع الأشخاص الأدنى منزلة.
قام سارتر بعرض للوليمة المدنية لدى الإغريق التي كانت تجمع الشعب ليأكلوا اللحوم التي كانت الآلهة تستلذ لرائحة جلدها وعظامها وشحومها. كما قدم صوراً وشرحاً للآنية الإغريقية التي تبين منذ نهاية العصور القديمة جداً المتعيشين والشاربين وهم مستلقون على أسرة بصحبة المسامرين إضافة إلى ملاحظات حول ممارسات الوليمة في العهود القديمة خلال القرنين الثامن والخامس قبل الميلاد إلى الوسط الخاص بالأرستقراطية الإغريقية وولائمها التي كانت تضم الطعام والشراب ونجد الآكلين والشاربين فيها مستلقين وهم يتناولون طعامهم.
كما قدم سارتر وصفاً للولائم العامة التي كانت تجمع جميع المواطنين وأحياناً بعض من أجزاء جسم المجتمع مثل العشائر وهي عكس المأدبة الأرستقراطية التي كانت وسيلة للتميز عن عموم الناس. فالمأدبة الجماعية تأكد المساواة بين الجميع والتماسك بين الجماعة وهي متقشفة تقتصر على اللحوم المقربة للآلهة بما فيها الأحشاء ولا يأكل فيها أي شيء آخر إلا إذا أتى الناس ببعض الأعشاب، وهي خالية من الشرب.
أما المأدبة الرومانية كما وصفها سارتر فهي منخرطة في الموروث اليوناني، ففي روما كما في اليونان كان الناس يأكلون وهم مستقلون. لكنهم أكثر حداقة من الإغريق بموضوع النبيذ فهم أول من ميز بين الأنبذة الراقية المرتبطة بأنواع معينة من النبيذ، وابتكار طرق كثيرة لاستعماله مثل إضافة الماء الفاتر أو ماء البحر إليه، إضافة إلى ترتيبات فردية لشربه على غرار الإغريق الذين كانوا يشربون الخمر من الإناء نفسه.
وصفات كان يتبعها الاغريق
يقول أحد الأغارقة إن أكل البصل يجعل الشرب ألذ من غير أن يقلل من السكر. ويتابع: إذا أراد أحدهم أن يشرب ويأكل كثيراً في الوليمة يجب عليه أن يأكل أكلاً نيئاً قدر ما يشاء وبعد الوجبة يأكل خمس أوراق فيشعر حينها وكأنه لم يأكل وسيشرب كما يحلو له. كما يقدم أحدهم وصفات عديدة للصحو مثل اللجوء إلى القيء للتخفيف عن المعدة ثم أكل الخبز المغمس بالعسل أو شراب العنب المخلوط بالكحول.
ولا يشرب الخمر الصرف عندهم إلا للعلاج من الأمراض فمثلاً في «لوكريس» كان يحكم بالموت على من يعالج نفسه بالخمر الصرف من دون وصفة طبية.
الآغون
الآغون تعني «التنافس»، وهو يعتبر في قلب القيم الإغريقية، فالمأدبة تكون فضاء للنقاش والسجال للفكرة وليس للسكر فنجد فكرة التنافس مطبقة على موضوعات متعددة تكون الغلبة فيها لمن ينتصر بالنقاش وليس لمن يسكر أولاً.
فمأدبة الحكماء الموجودة في فسيفساء الآغون القديمة احتفظت بذكرى المأدبة الارستقراطية التي شوهت أو حرفت عن وظيفتها الأولى وتخلصت من الشطط الذي كان يوصف به الإغريق.
قاعات ومعابد تمثل عادات المائدة في سورية
يقول سارتر إنهم وجدوا في سورية قاعات تحتوي على مقاعد قرب المعابد لكن هذا لا يجزم أنها قاعات للمآدب ويصعب في الوقت نفسه التملص من ذلك. ففي تدمر عثر على أماكن كان يستلقي فيها الضيوف وكان هناك قطع من الحجر الذي كانت توضع عليه الآنية إضافة إلى فضاء للحركة عند الخلفية حيث يمر الخدم حاملين الأطعمة والشراب.
كما أنه تم العثور أيضاً على قاعدة الاحتفالات في معبد «بل» حيث كانت الولائم تتم على المئات من بطاقات لدعوات كانت تقدم للكهنة أو لفئات أخرى من المجتمع من أجل دعوتهم للمآدب، وإضافة إلى معبد المؤلف من قاعات في الصخر كان يجتمع فيها قبائل الرعاة، وهذا المعبد مشترك بين القبائل وكأنها لم تكن تجتمع في هذا المكان إلا لكي تولم الولائم، كما عثروا على الكثير من الأبنية تشبه وظيفتها هذه الوظيفة.
ويضيف سارتر: إن هناك بعض المشاهد الجنائزية التي تذكر بالولائم في تدمر كمشاهد عن أموات مستلقين بصحبة أسرهم وبعض المأكولات وهذا يذكر بوليمة الحياة الأخرى والحياة اللذيذة التي يمكن أن يعيشها المرء بعد الموت، موضحاً أن هذه الفرضية ليست صحيحة لأن التدمريين لم يكن لديهم أي تصور واضح عن حياة ما بعد الموت.
ويؤكد سارتر في نهاية حديثه ودون أن يخشى اللغط أن ممارسة الوليمة بدأت في العالم الإغريقي ثم انتقلت إلى الغرب الروماني وهي من سمات المميزة لوحدة الإمبراطورية من قرطاج إلى أنطاكية مروراً بروما وتدمر، وأن هناك تمثيلات لا تحصى من رسم وفسيفساء وحتى الأطباق التي تبين طرق ممارسات الأكل والشرب، وفي أفضل الأحوال تطرح الفلسفة موضوع النقاش أو يجبر صاحب الوليمة ضيوفه على الاستماع إلى نصوصه التعيسة وأن ما يتغير في الواقع من مكان إلى آخر هو ما يأكل ويشرب.
موريس سارتر، هو أستاذ فخري في جامعة «فرانسوا رابليه» في تور ورئيس المعهد الأوروبي للتاريخ وثقافات التغذية. قام سارتر بتأليف العديد من الكتب منها التاريخ القديم للمشرق في القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن الثالث بعد الميلاد، وكتاب سورية القديمة، إضافة إلى إدارته لنشرة «سورية» الصادرة عن المعهد الفرنسي للشرق الأدنى وهي مكرسة للعصر القديم.