«لوالدي.. وفاء لإبداعه، عكفت على طباعة هذا الكتاب.. لأمي أولاً، ولإخوتي ولأصدقاء أبي ومحبيه... لقلب والدي... الذي ما زال ينزف دماً وحبراً.. وعصافير» بهذه الكلمات يقدم عروة صدر الدين الماغوط طبعة الأعمال الشعرية الكاملة لشاعر الفتوة والتمرد- زيوس «صدر الدين الماغوط» في كتاب يعتبر صدور طبعة خاصة منه مطلع 2010 حدثاً ثقافياً لافتاً صنعه بحب شاب طموح وفاءً خالصاً لشاعر كبير بقامة صدر الدين الماغوط لطالما شكل علامة فارقة في آرائه مشاكساً وفي مواقفه غير مهادن وفي حضور شخصي كاريزمي.. وشغب صحفي وتنوع إبداعي.. وقبل كل شيء شعرية طاغية وبناء ملحمي مثل بركان خارج من رحم الأسطورة كتلة لهب جائعة.
سئُل ذات حوار لمجلة الطريق اللبنانية 1973 «من أنت شعراً؟» فأجاب:
أنا البدوي الذي رحل فبكت لوداعه الصحراء
أنا البدوي الذي أضاع حذاءه ذات ليلة فاستنفر
البراري وكل أرصفة المدن
ولما التقى بحذائه كانوا قد صادروا
فمه واعتقلوا حنجرته
وأنا البدوي الآتي من عب الصحراء كفرخ القطا
لي طعم النخيل وتناغم الأجراس
أقسمت أن ابتاع مقلاعاً من الصوف
وأحمل في جيبي حجار البراري
أقف في مفترق الزمن الملعون
أشج رأس كل عاشق
وأجهض بطن كل امرأة منتفخ
لأن الانتفاخ يعني لي التخمة
وأنا الجائع الوحيد في العالم؟!
صدر الدين الماغوط- زيوس الدمشقي 1943-2006 أحد أولئك الذين لم يكن يساورهم شك بأننا لم نتقن بعد «أبجدية الفرح» وأننا أضعنا بوصلة الدهشة!! وهو المشاكس الذي لا يؤمن بإغلاق الدائرة، والأفكار عنده كثيراً ما تكون مفتوحة بالدرجة ذاتها، وفي مقلب آخر عنده أكوام من اليقينيات وإن كان يوارب- شعراً- ليصل أو ليقول وعلى طريقة الشعراء الكبار الحقائق الدامغة الممهورة بخاتم صخري ينز دماً وحبراً على خلفية واقع عربي تنتصب فيه الانكسارات وتشمخ في جنباته وعلى ساحاته مسارب من ترهات وأمراض قدَّت فصولٌ كثيرة منها من خرافات وطبول جوفاء يطرب لوقعها وعي قطيعي جارف.
زيوس الدمشقي يرمي بقصائده وجوهاً من مطر ومن براكين وتسكع وتوق لا ينمق الكلمات ولا يشذب العبارات إيماناً بقوة السيل المنساب صادقاً يشق الصخور ولا يلتفت للوراء، أدمن رائحة الأرض وأدار ظهره للورود وأخواتها غير الشقائق وإن كان عاشقاً لطالما يجاهر بالعداء ويجهش بالمحبة والاشتهاء، يراهن على الأرصفة التي أدمنها- هي الأخرى- لتنكسر أمام بريق عينيه ووهج قصائده الواجهات الزجاجية المصقولة..
عرف صدر الدين الماغوط أرصفة مدن كثيرة حجراً حجراً ولم تفك شيفرته المدن بكل عرافيها وخفافيش لياليها ذلك أنه جمع الأضداد كلها في «ضد» واحد لا لبس فيه لا ينفصل بل يتماهى والـ«مع» التي لا يمكن أن يُشك فيها، وما بين هذه وتلك عوالم فسيحة ممتدة ومتماوجة في حالات من التمايز والتماهي مع الذات الشعرية في إبداعيتها المتفردة ومع الكيمياء الشخصانية في دمها ولحمها وفلسفتها في تنافر وانسجام ليتشكل مزيجاً آدمياً لم يعبره الزمن كما عبر الآخرين مثلما لم ينصفه كما أغدق على الكثيرين وهو الذي أبدع شعراً من نار وحديد ومن ماء ونسيم:
تحمحم هذه الفرس الجريحة
هل أتاها الطلق؟
أعرف أنها حبلى
وأعرف أن ماء النهر يحرس كاحليها
هل أتاها الطلق
واستراحت في حقول النار.. تلهث
تلهث الفقراء.... تصهل.. يصهل الغرباء.. قوليها أتاك الطلق
إني لا أرى في الجو غير الغيم
بين البحر والغابات صوت رصاصة
أزت وفي الطرقات جند
هل أتاك الطلق
أتعبنا انتظارك.. ما الذي أعياك؟
كيف تأخر الحمل الجميل
ضعيه مولوداً فريداً أيها الفرس
الأصيلة... وزعي نظراته بين المدائن أيها الفرس الأصيلة
لقحي منه الصبايا الفاتنات
ضعيه.... ضعي أسراره.. أفراحه.. أحزانه.. خليه يأتيني
أود لقاه قبل الموت
أرفض أن أرى ولداً سواه يدوس قلبي اعذريني
إنه الذكر الفلسطيني.. فاعذروني..