لا يعرف الفوضى فكر كما يعرفها الفكر الديني، ومع أن الفكر الإسلامي بعيد عن الوصائية- أصلاً- فلا مشيخة ولا رهبنة ولا شيء من هذا في الإسلام، لكن المؤسسة الدينية ممثلة بالسادة العلماء والمشايخ أعجبهم ما عند غيرهم، وبما أنه ما حدا أحسن من حدا سعى المشايخ إلى تأسيس مؤسسة دينية مشيخية تحافظ على هيمنتهم ووصائيتهم المرفوضة على الناس والأتباع.. وأعرف كما يعرف أقراني أن وجود المرجعية الصارمة كان نادراً فيما مضى، وتأثراً بالمرجعيات الأخرى والمماثلة في البلدان العربية أسس مشايخنا لمرجعيات لا تصب سوى في مصلحة صاحبها، أي صاحب المرجعية، والعجيب الغريب أن كل مدرسة في الفكر ترتبط بصاحبها فقط، ولا ترتبط بالفكر، وكل مدرسة تنتقد المدرسة الأخرى وترفضها رفضاً تاماً!!
المهم أن ما أتحدث عنه أمر جدّ خطر، فبعد أن كانت العلاقة بين الإنسان وربه، صارت العلاقة بين الإنسان وشيخه ومدرسته، وهذه ظاهرة مرضية وفوضى غير مقبولة بأي مقياس، وهنا صرنا نجد التقدير الغريب في جوانبنا الفكرية، وفي مجتمعنا الذي كان منفتحاً ومفكراً ويحرص على الإسلام الحقيقي، وفي مجتمعنا الذي خرّج أهم العلماء والمفكرين الإسلاميين المتنورين، الذين استطاعوا أن يحققوا نوعاً من التوازن الفكري في سورية وخارجها.. في هذا المجتمع ظهر تأثير المرجعيات الدينية وتأثير القنوات الفضائية أحادية النظرة.. فصرنا نجد التقدير الذي يصل إلى التقديس لهذا الرأي وهذا الشيخ، فلا يقبل أحدهم رأياً مخالفاً لرأي هذا الشيخ.
من الذي استطاع أن يجعل شخصاً يسيطر كل السيطرة على مفاصل الحياة الفكرية، بل يتعدى هذه المفاصل ليكون مؤثراً وفاعلاً في مفاصل غاية في الأهمية؟.
أذكر هذا الكلام وأنا أترحم على المفتي العام السابق الشيخ أحمد كفتارو الذي قضى حياته ولم يرحمه نقاده ومنغلقو الفكر، فلم يتركوا نعتاً إلا وصفوه به، وكل الذين ينضوون تحت المؤسسة الدينية كانوا يحاولون الانتقاص من سماحته، وبعد وفاته اعترف الجميع بدوره المعتدل الذي كان في مصلحة سورية والفكر الإسلامي، ولو تضافرت الجهود مع سماحته لاستطاعت سورية أن تحقق الكثير، وكانت المرجعية الإسلامية في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه.
وبعد انتقال سماحته إلى الرفيق الأعلى انتظر العشرات أن يكونوا مكانه، فجاء الاختيار لسماحة الشيخ الدكتور أحمد بدر الدين حسون، وبدأت المعاناة منذ اليوم الأول، ولا تزال قائمة وستبقى لأن كل من ينتظر أن يكون الشخص المختار للإفتاء لن يعجبه أي اختيار لا يكونه بنفسه.
أتوجه بدعوة صادقة في أن نستفيد من الواقع المؤمن الجيد المنفتح،وما من أحد يمكن أن يدّعي أنه وكيل الله في الأرض، ولا تصدقوا أي شخص يحمل صكوك الغفران فهي لا تزال في السماء، وبوركت جهود سماحة المفتي في الفكر الحر المتنور.