يؤكد معظم علماء العصر الحديث، والقديم، أهمية العودة إلى التاريخ بوصفه الوعي الإنساني لجوهر الوجود، وغياب الوعي بالتاريخ هو غياب للوعي الإنساني جملة وتفصيلا، وثم غياب الوعي يعني فقدان الذاكرة وعندما يفقد المرء ذاكرته يضيع حاضره ومستقبله ويدخل في غياهب المجهول.
من هنا يصبح أي تجديد مبني على قاعدة نسف الماضي، بقِدمه وأشخاصه وتراكمه المعرفي ضرباً من الجنون، وهذا الكلام لا يعني بأي شكل من الأشكال إلغاء التغيير المقرون بالتجديد، لكن إقحام التغيير شيء وإحداثه متناغما مع الواقع الموجود فيه شيء آخر. وعلى هذا الأساس فإن التغيير الايجابي هو الذي ينظر إلى جوهر الأمور ويطورها، أما التغيير السلبي فهو النظر إلى القشور وسلفنتها. وفي عودة قراءة التاريخ بكا ما يشكل بمجمله تراكمات التاريخ البشري الذي أسس لخلق الهوية الخاصة لكل مجتمع من المجتمعات، وهذه الهوية هي الغطاء الشرعي لاستمرار البشرية ومن يفقد شرعية هذا الغطاء يسقط من سجل التاريخ بحكم عملية الاصطفاء الحضاري والتاريخي. وبعد هل يمكن الإجابة عن السؤال الأساس: لماذا نقرأ التاريخ؟ إذا كانت قراءة التاريخ من أجل استخلاص العبر والدروس لخدمة حاضر نعيشه. ترى ما الفائدة التي يقدمها التاريخ من هذه الزاوية؟ لا أعتقد أن فائدة ما يمكن أن نستخلصها من وراء الاكتفاء بمتابعة سطحية لتلك العبر التاريخية، لأن استحضار التاريخ الماضي بعبره ودروسه دون مقارنتها وإلباسها روح الحاضر تفقد فائدتها ومعناها ومبناها، والقراءة التاريخية على أساس العلم المقارن هو عبارة عن دراسة متفحصة لكل تفصيلة ساهمت في قلب التاريخ وتغيير مسار الأحداث فيه، كما تتضمن القراءة دراسة كل حالة إنسانية وضعت بصمتها في سجل التاريخ المعاصر والقديم. ومع تقليب صفحات التاريخ والوقوف عند المفاصل الرئيسة منه، يمكننا عندها الدخول في مرحلة المحاكاة والمحاكمة بين الماضي والحاضر، بالاعتماد على هذه الدراسة التشريحية، تيمنا بمصطلحات العلوم الطبيعية، تمكن من التقييم والفرز واستخلاص نقاط القوة من أجل الوصول إلى أهم خطوة في قراءة التاريخ وهي وضع نقطة على السطر، هذه النقطة تمثل النهاية والبداية معا، بمعنى أن تكون هذه النقطة، العلامة، بمنزلة همزة الوصل بين فتح صفحة جديدة، وتكملة للصفحات السابقة. والأهم أن نسجل نحن بصماتنا على الصفحات الجديدة، لا أن يسجلها الغير في كتاب تاريخنا الحالي. قد يقول البعض: إن معطيات التاريخ المعاصر شهدت تطورا لا يمكن اللحاق به ثم العودة إلى التاريخ وإجراء العملية الاستنباطية آنفة الذكر! يمكن القول: إن معطيات التطور التاريخي واحدة قياسا بكل حقبة زمنية على حدة، لكن زمن تطور هذه المعطيات هو المختلف، على اعتبار أن ما شهدته الحقب التاريخية القريبة من قفزات تطور، احتاجت الحقب البعيدة سنوات طويلة للوصول إلى ربع المدة التي حققت فيها القرون القريبة الماضية من تطور. وما ستحققه الحقب الآتية من تطور يفوق ما تحقق، لكن أسباب انحطاط الدول والمجتمعات، ونهضتها واحدة مهما اختلفت وتعددت أدوات ومعطيات التطور. وهنا نصل إلى لب الموضوع كما يقال: فالعالم العربي يغرق في تفاصيل المصالح الشخصية على مستوى كل مجتمع والدول فيما بينها تغرق في تفاصيل الخلافات، وفي غمرة الغرق ننسى قراءة التاريخ تماما كما ننسى إعادة إنتاج هذا التاريخ، والخوف كل الخوف أن نرى أنفسنا خارج التاريخ. فهل ندرك أهمية قراءة التاريخ؟