لا يبدو أن سياسة حافة الهاوية التي انتهجتها «غوغل» مع الحكومة الصينية حيال ما وصفته الشركة بـ«هجوم معقد على شبكتها أدى إلى سرقة حقوق ملكية فكرية» قد أتت أكلها، إذ إن العملاق البحثي ما لبث أن عاد أول من أمس أدراجه، نافيا ما نقل عن نيته انسحابه من أكبر سوق للانترنت في العالم، وراضخا لاشتراطات العملاق الآسيوي بضرورة الالتزام بالقوانين المحلية.
واشنطن التي هددت باستصدار مذكرة دبلوماسية رسمية إلى الصين تطلب فيها تفسيرا للهجمات، ارتكزت على ما تسميه «برنامج التجسس الإلكتروني للصين» الذي ابتكرته لجنة استشارية للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني الماضي، ليلحق بكل ذلك ما اعتبره مراقبون أميركيون بأن الانتقادات العلنية التي وجهها «غوغل» للرقابة الصينية على عمل محركها البحثي جريئة، وعلى رأسهم جيمس مكريغور المستشار الكبير لشركة «ابكو وورلدوايد» لاستشارات الشؤون العامة الذي قال «لم نر قط شركة تهاجم الحكومة الصينية بهذه الطريقة العلنية والصريحة».
في زحمة المواقف والمواقف المضادة، حيث اشتراطات الحكومة الصينية بضرورة الالتزام بالقوانين من جهة، والاحتفاء بجرأة «غوغل» والدعم الحكومي الأميركي من أخرى، تنسل التساؤلات حول طبيعة الهجوم الذي طال الموقع البحثي الشهير، إلى حدود التفكر فيما إذا كان غوغل قد أقحم نفسه هذه المرة في لعبة خطيرة تتجاوز كينونته، وتتشبه بتصرف «تويتر» إبان الانتخابات الإيرانية مطلع العام الماضي.
ما يدعم هذا الافتراض رزمة من علامات الاستفهام التي تدور حول أسباب امتناع «غوغل» عن الوقوف في اتهاماته عند حدود الملكية الفكرية، فلو فعل، لكان أحرج الحكومة الصينية أقله من باب قدرتها على حماية الشركات التي تعمل على أراضيها، إلا أن إلحاقه هذه التهمة بمطالب حول تخفيف الرقابة الحكومية الصينية على موقعه، يؤشر إلى أن الاختراق الذي يتحدث عنه، ومن خلفه دافعت حكومته، تناول مناحي ذات طابع سري في عمل المحرك العملاق، يمكن تسميتها الملكية الفكرية، لكنها على الأرض تسهل الالتفاف على القوانين الصينية، وبذا فهو لم يجد، والحال كذلك، بداً من التلويح بالانسحاب من السوق الصينية استباقا لخطوة متوقعة ومنطقية من قبل الحكومة الصينية.
يدعم الافتراض السابق تلك المؤشرات التي تدلل على أن الشركة أضرت بالفعل بمستقبل عملها في الصين، وهو ما أشار إليه بوضوح المحلل ديك وي في شركة «جيه. بي مورغان» حين أوضح اعتقاده بأن علاقة غوغل بالحكومة الصينية توترت بالفعل وأنه إذا قررت الشركة البقاء فإنها ربما تتعرض لقيود أشد..
في كل الأحوال نفت غوغل خبر انسحابها من السوق الصينية، قائلة إنها ما زالت تقوم بعملية فحص لشبكاتها الداخلية منذ تعرضها لهجوم إلكتروني منتصف كانون الأول، وهو سبب وجيه ستقبله الحكومة الصينية كمبرر يظهر جليا في تقليلها من شأن تهديد غوغل، إلا أن ذلك لن يخفف من إصرارها على التزام جميع الشركات الأجنبية، بما فيها غوغل، بالقوانين الصينية.
في الحقيقة يبدو أن على «غوغل» أن يهتم ليس فقط بصيانة شبكاته المركزية، بل بمواقفه من القضايا السيادية للعملاق الآسيوي الذي يستحوذ على أكبر سوق للإنترنت في العالم بواقع يقارب الأربعمئة مليون مستخدم، ذلك أن على عملاق البحث من اليوم فصاعدا أن يتذكر بأن عملاقا آخر لا يمانع في نفث النار من منخريه فيما لو أحس بتهديد لمصالحه الحيوية.