لم يتمكن الرئيس العراقي جلال طالباني من استعراض حرس الشرف على طول باحة الإليزيه، واصطحبته السيارة مع عكازه إلى درج القصر حيث استقبله نظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي في مستهل زيارة هي الأولى من نوعها في التاريخ. إذ لم يسبق لرئيس عراقي أن زار باريس في «زيارة دولة» وهي الأرفع بروتوكولياً، وخرج طالباني برفقة ساركوزي ليعلن للصحفيين على بعد عشرات الأمتار دون أن يقترب من الميكروفون أنه يريد «علاقات إستراتيجية» مع باريس.
زيارة أراد منها ساركوزي تتويج مسيرة التقارب مع عراق ما بعد صدام وما بعد معارضة فرنسا للحرب. مسيرة بدأت بزيارات وزير الخارجية برنار كوشنير عام 2007 ومن ثم ساركوزي في شباط الماضي، وتمت بعدها سلسلة من الزيارات المتبادلة بين البلدين، فزار معظم المسؤولين العراقيين فرنسا.
وبدأت زيارة الدولة بمحادثات بين طالباني وساركوزي في الإليزيه تطرقا خلالها إلى علاقات العراق مع سورية، ومع الدول الأخرى المجاورة للعراق، وبينما سربت مصادر عراقية أنباء عن وساطة فرنسية بين دمشق وبغداد تجنبت مصادر الإليزيه تأكيد هذه الأنباء أو نفيها، وذكرت لـ«الوطن» أنه ولو كان هناك مساع من هذا النوع رسمية أو غير رسمية ففرنسا تفضل التكتم لتكون مفيدة.
وأكدت مصادر فرنسية دبلوماسية أن طالباني طلب من نظيره الفرنسي مساعدة العراق للخروج من تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يخضع له منذ عهد النظام السابق، وذكرت أن ساركوزي أعرب عن «رغبته في رؤية العراق يستعيد مكانته بشكل كامل على الساحة الدولية واعتبر أنه لا يجب أن يخشى أحد من عراق قوي وديمقراطي وسلمي». ومساء قال ساركوزي في خطاب ألقاه على «عشاء الدولة» الذي أقامه على شرف طالباني وزوجته: «إن العمل كبير جداً من أجل بناء عراق حديث وديمقراطي وإقامة الدولة أولاً»، وأضاف: «دعم إقامة دولة قانون أولوية»، مشيراً إلى مساعدة فرنسا في تأهيل عدد من القضاة العراقيين.
وتشهد زيارة طالباني إلى فرنسا توقيع أربع اتفاقيات: اتفاقية في مجال التعاون العسكري والدفاعي، واتفاقية في مجال التبادل الثقافي والتقني واتفاقية مع الهيئة الفرنسية الخاصة بضمان الصادرات (كوفاس)، واتفاقية مع الوكالة الفرنسية للتنمية من أجل إنشاء مكتب لها في العراق العام المقبل.
وأعلن ساركوزي في خطابه عن نية باريس إقامة «مركز للبحوث الأثرية والدراسات الاجتماعية» في أربيل، و«بيت فرنسي للزراعة»، لدعم القطاع الزراعي العراقي. كما تنوي باريس تأسيس هيئة خاصة لمساعدة الشركات الفرنسية على العمل في العراق، وقالت المصادر الفرنسية إن هذه الهيئة تندرج في إطار «دبلوماسية متجددة» ترمي إلى دعم الشراكة بين القطاعين الخاص والعام.