قد يغيب عن بال البعض وتفكيرهم، أن النقد عندما يكون من محب هو على الأغلب نقد بقصد البناء وليس بقصد التجني على أحد، وكم من ناقد محب أفضل ألف مرة من مراوغ يخرب في كل لحظة من لحظات حياته العملية عن سابق قصد وتصميم، يُظهر للمسؤول على أنه صالح في الوجه والواجهة لكنه في الخفاء ينشر الفساد أينما اتجه، المهم وبما أن الشيء بالشيء يذكر فلابد من التذكير بأن النقد المعرفي هو النظر في إمكانية وشروط المعرفة وحدودها، وهو عموماً عدم قبول القول أو الرأي قبل التمحيص، وينقسم إلى نوعين: خارجي وهو النظر في أصل الرأي، ونقد داخلي وهو النظر في الرأي ذاته من حيث التركيب والمحتوى.
المهم وخلاصة القول إن النقد حالة اجتماعية صحية وصحيحة في جميع مجالات الحياة.
قد يتساءل البعض ما سبب هذه الديباجة؟ ومن هم الناس الذين عليهم عين الكلام؟ أختصر التفكير على الأخ القارئ لأقول: لاشك أن كل امرئ يعرف قدر نفسه ولذلك يتعرف على القصد وحده، لكن ما دفعني إلى كتابة هذه المقالة هو الفنان النجم جمال سليمان، والنجومية عنده لا تقتصر على إجادته لفن التمثيل التي ارتقى معها لدرجة الأستذة، بل كان النجم الذي تفوق على قدرات المذيع طوني خليفة ومن خلفه فريق الإعداد لبرنامج، (لماذا)، الذي يعرض على شاشة تلفزيون الجديد، ولاسيما عندما حاول مقدم البرنامج إحراج الفنان النجم جمال سليمان عندما سأله عن الممنوع والمسموح في الرقابة الإعلامية السورية، فما كان من جمال إلا أن أحرج المقدم بطريقة إجابته التي لم تكن متوقعة حيث قال نجمنا السوري: «أنا مع المنع إذا كان الأمر يمس بشخص السيد الرئيس، أو بالأمن الوطني.. أنا مع المنع إذا كان الموضوع يثير النعرات الطائفية...». وفي رد على سؤال آخر عن الحرية الإعلامية السورية تحدث الفنان جمال بكل ثقة نعم في سورية يتم نقد الأداء لبعض المسؤولين».
الحقيقة أنني عندما سمعت ما جاء على لسان النجم جمال لم يحدث بالنسبة لي مفاجأة لأنني سبق أن التقيته في برنامجي «حديث الناس» وأدركت كم يمتلك الرجل من ثقافة ووعي تجعلنا نعتز به كفنان سوري قدير تماماً كما يعتز هو بسوريته رغم النجاح الذي حققه على المستوى العربي، لكن كلامه وثقته بنفسه وثقافته جعلتني أمسك القلم لأكتب وأرفع له التحية الصحفية عبر الإعلام السوري.
ما لفتني فعلاً أن يصيب جمال سليمان في فهمه للنقد على حين يخطئ في الفهم موظف بسيط يمسك بيده مقص الرقابة، ويهول الأمر عند المسؤولين لغاية في نفس يعقوب، والنقطة الثانية أنني أتفق مع النجم الكبير جمال سليمان فيما قاله عن ضرورات المنع وسبق أن كتبت ذلك في مقام إعلامي آخر وكان ما كتبته على النحو التالي:
الرقابة ضرورة واجبة وأساسية لتحسين الأداء الوظيفي وخصوصاً إذا تعلق الأمر بالإخلال بآداب مهنة الصحافة وأخلاقياتها التي تحترم النقاط التالية:
1- احترام الحريات العامة للآخرين وحفظ حقوقهم وعدم المس بحرمة حياتهم الخاصة.
2- التوازن والموضوعية والنزاهة في عرض المادة الصحفية أو الإعلامية بشكل عام.
3- الامتناع عن كل ما من شأنه أن يثير العنف أو إثارة الفرقة بين المواطنين.
4- كل ما يمس الأمن الوطني ووحدة المجتمع.
إلى هنا يكون سير الرقابة الإعلامية في المكان الصحيح، ويكون مقص الرقابة أداة فاعلة لمنع الفوضى، والفوضى هنا تحتمل عدة وجوه منها مثلاً فوضى الكتابة وعشوائيتها كأن تكتب مقالات أو تجري مقابلات تلفزيونية غايتها إثارة الفتن بين المواطنين، كذلك الفوضى تندرج تحت بند العدائية البعيدة عن النقد الموضوعي والبناء والفرق كبير بين النقد البناء وغايته السامية في تصحيح الاعوجاج الموجود في جهة ما وبين النقد الهدام الذي غايته هدم المجتمع لأغراض غير معروفة، والفوضى أيضاً هي لغاية إثارة الفوضى بحد ذاتها وهذه غالباً ما تكون مرتبطة بشبكات خارجية سخية الدفع.
في عودة إلى موضوع النقد وأهميته وضرورته المجتمعية أقول: لقد أوضح السيد الرئيس أهمية النقد البناء وفرّقه عن النقد الهدام في خطاب القسم الذي يجب أن نتخذه وجميع الخطابات بوصلة عمل نهتدي بها لكي لا نضل الطريق السواء، وعندما يطالب رئيس البلاد بالنقد البناء فهذا يدلل على أهميته نقطة انطلاق لتصحيح الاعوجاج وترميم الفجوات ومحاربة الفساد، وبالمقابل تعزيز ما هو إيجابي وتطويره والارتقاء به، وأعتقد أن النقد البناء في مكانه وأوانه أفضل ألف مرة من التملق الذي غايته التعتيم على الأخطاء وزيادة الفجوات وتعميم الفساد كبضاعة رائجة لها قبولها في سوق الفاسدين.