ثمة قيادات لا تقرأ التاريخ ولا الجغرافيا ولا حتى السياسة وما آلت إليه.
وثمة قيادات أيضاً مما يمكن وصفها بالقيادات التوابع لا تدرك أن عليها أن تكون مرجعاً أخيراً في القرار في بلادها وأن تشكل صمام الأمان لبلادها لا جزءاً من جوقة الضجيج.
وثمة موظفون كبار لا يعرفون أن مصير وظيفتهم مرتبط باستقرار (المؤسسة التي يعملون بها لا بزرع الألغام في طريقها إلا إذا كان تدمير هذه المؤسسة من المهام المكلفين إياها).
فالكل يعلم أن الإدارة الأميركية الحالية قد اتخذت نهجاً مختلفاً عن سابقتها ولم يعد العداء ضد سورية أمراً يخدمها ويخدم مصالحها بل على العكس باتت سورية طريقاً إلزامياً للحلول الإستراتيجية.
والكل بات يعلم أن بقايا المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وتوابعهم (الكبار) في العالم يجرجرون هزيمتهم ويحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروعهم التدميري الذي بدأ في العراق ويرون أنه بات في طور النهاية فيه.
والكل يعلم أن بين إيران وسورية تحالفاً إستراتيجياً حقق انتصارات كبرى على الصعد الجيوسياسية إقليمياً ودولياً.
والكل يعلم أن سورية أكثر بلدان العالم تأثراً بالجوار المباشر وأن أمن العراق جزء من أمنها الإستراتيجي كما أمن لبنان كما أمن الأردن وأن أي حديث مخالف لهذه المعادلة يعني إما (غباء) من قائله وإما (التزاماً) بمشروع ينال سورية والمنطقة وتحالفاتها الإستراتيجية.
وفي اللغة الدبلوماسية يمكن القول إنه من المؤسف أن يكون رئيس الوزراء العراقي قد وضع نفسه في هذا الموقف فهو بتبنيه لما قاله علي الدباغ الموظف ناطقاً رسمياً ضد سورية يحول نفسه إلى ببغاء لا مسؤول حيث كان من المنتظر أن ينأى بنفسه عن هذا السجال ويبقى في موقع المسؤول الأول عن بلد هو محور في صراع إستراتيجي.
أما في اللغة السياسية فيمكن القول إن تصريحات رئيس الوزراء العراقي التي لم تستند إلى أي واقعة قضائية ولا أمنية ولم تستند إلى أي مصلحة عليا للعراق تضعه في موقع لا يستحق أن يكون فيه، فهو أخل بأبسط المعادلات التي تجعل المسؤول مسؤولا، وأخل بقواعد علم السياسة والعلاقات الدولية ولكن على العراقيين أن يحكموا على مستقبله السياسي بالتأكيد.
ومهما كان رهان المالكي على أن الديمقراطية العددية وديمقراطية الاحتلال الأميركي ستبقيه في موقع مسؤول في العراق إلا أن هذا الرهان يبقى رهاناً كرهان المحافظين الجدد على الحروب والقلاقل وعلى الذاكرة القصيرة للشعوب لكن هذه المراهنات سرعان ما أثبتت فشلها، إذاك لا أحد يعرف إلى أين وإلى ماذا سيلجأ سياسيا بعد سقوط رهانه؟
والأكثر غباء هو من يعتقد أن ثمة من سيؤازره في ادعاءاته ومطالبه من سورية سواء في الاتهام، أو في طلب المحكمة الدولية حيث إن (المجتمع الدولي) بات بعيداً من هذه الإجراءات التي لا تخدم مصالحه ولا مصلحة العراقيين ولا مصلحة حكومات ما بعد الاحتلال الأميركي في العراق.
وكان لافتاً أيضاً تصريحات الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، في الكويت حيث طالب ( بحوار عربي جماعي جاد مع إيران) مفترضا أن ثمة خلافاً عربياً مع إيران ولم يحدد أين هو الخلاف العربي العام مع إيران؟ أهو في دعمها للقضية المركزية العربية فلسطين أم بدعمها المطلق للمقاومة اللبنانية أم في علاقتها الإستراتيجية مع آخر الحصون العربية في مواجهة المشروع الإسرائيلي الأميركي، دمشق؟
ولم يحدد عمرو موسى الموظف الكبير في جامعة الدول العربية ما الدول العربية التي أعلنت أنها على خلاف مع إيران ليطلب (حواراً جماعياً) معها. ولم يقل لنا عمرو موسى ما إذ كان قد دعا لحوار جماعي عربي لبحث شؤون الانقسامات العربية ومحاولات تقويض الجامعة العربية؟
أسئلة برسم الإجابة عليها.